فكرة تُنتزع من كتاب القانون
بتاريخ الأربعاء، مارس 10، 2010
فكرة تُنتزع من كتاب القانون
أعتقد أنه من المهم التحدث معكم لاحقاً حول مشاركتي في الدورة الإقليمية الخاصة بإعداد تقارير المجتمع المدني حول مكافحة الفساد والتي عقدت في العاصمة اليمنية صنعاء لتتعرفوا إلى دور المجتمع المدني في مكافحة الفساد فالبال مشغول حالياً في عدة قضايا وربما الجو العام في هذه الأيام لا يسمح لي وما يمكنني قوله لكم الآن عن هذه الدورة أنها تعقد ضمن برامج الشراكة الشرق أوسطية الداعمة لتحالف المادة 13لإتفاقية الأمم المتحدة لمكافحة الفساد والتي لم توقع عليها الحكومة العمانية وهذا البرنامج أو التحالف جاء لدعم جهود المجتمع المدني في مجال مكافحة الفساد عبر السعي لرصد أوجه الفساد سواء في الدول الموقعة على الإتفاقية أو غير الموقعة عليها هذا فقط ما يمكنني قوله لكم الآن عن هذه الدورة وسأحدثكم عنها لاحقاً بالتفصيل ففي الحقيقة أرغب التحدث هنا عن أمر مختلف تمام ربما هذا الأمر معقد بالنسبة لي الآن ولكم أيضاً ولا أعرف كيف يمكنني شرحه ولكن الأمر يستحق المحاولة وصدق الشاعر اليماني عندما قال :
فظيع جهل ما يجري ... وأفظع منه أن تدري
إستوقفني ما أورده الدكتور عادل الحياري في كتابة "القانون الدستوري والنظام الدستوري الأردني" -الذي يعتبر من أهم المراجع الأردنية في القانون الدستوري إن لم يكن من أول أهم تلك المراجع- وما أثارني تحديداً هي جزئية فكرة الدولة ومعناها حيث أنه إستعرض عدة آراء فقهية في وجود فكرة الدولة والمعايير التي تحدد وجودها من عدمه وربما الكثير من الفقهاء خاصة في مجالي السياسة والقانون إقتبسوا هذا الرأي وهذا ما لاحظته عندما قمت بالبحث عن الفكرة في بعض الكتب القانونية الأردنية وكذلك السورية وتجدونها أيضاً في الإنترنت مشيرين لإقتباسهم لها من نفس الكتاب المذكور والذي كُتب لحاجة ملحة قبل أكثر من أربعة عقود تقريباً لخلو المكتبة القانونية الأردنية من كتاب قانوني يتحدث في الدستور بشكل عام والدستور الأردني بشكل مفصل علمي أكاديمي .
ما يهمكم هنا من بين كل تلك الآراء هو الرأي القائل بأن معيار التمييز بين الحاكم والمحكوم هو قبول المحكوم بما يفرضه الحاكم من أوامر ونواهي طواعية واختياراً وجاء النقد على هذا الرأي ليقول : أنه من شأنه إسباغ صفة الدولة حتى على القبائل وهذا مالا يتفق علمياً بفكرة قيام الدولة ومن معلوم لدى الناس ماهية طريقة تعاطي القبيلة ككل والفرد المشكل للوحدة الواحدة في القبيلة مع أوامر شيخها سواء أكانت الأوامر عادلة أو ظالمة .
بالطبع هذا الرأي الناقد للرأي المحدد لشكل الدولة ومعيارها المتوقف على رضاء الناس لأوامر الحاكم هو رأي متفق عليه فمن الطبيعي أن تكون هناك طرق تنتزع الإختيار إما بفعل الترغيب وشراء الذمم أو الضغط والإرهاب والتخويف أو عن طريق الدعاية والإعلام والجهل فالمثير مما تقدم أن هذه الفكرة تعيدنا إلى فكرة بداية وجود سلطنة عمان فحتى إن أخذنا بالتعريف الذي ورد سابقاً أو التعريف الذي أورده فقهاء السياسة والقانون لفكرة الدولة كتعريف علمي أكاديمية يمكننا حينها أيضاً القول أننا نعيش في ظل دولة حقيقية قائمة على مجموعة من الأفراد تعيش باستمرار على إقليم معين وتدين بالولاء لسلطة عامة منظمة رغم أن الحياري ناقض نفسه في كتابه آنف الذكر عندما إنتقد هذا الرأي من حيث لا يعلم قبل أن يورد ذلك التعريف الذي ذكرته في الأعلى "مجموعة من الأفراد تعيش باستمرار .... " والمشكلة أنني شاهدت نفس هذا التعريف والرأي في عدة كتب قانونية وسياسية أخرى والحياري نفسه خرج بهذا التعريف ناقلاً إياه عن مراجع غربية وعربية أهمها مؤلفات دوفارجار والدكتور كمال الغالي وغيرهم . فالولاء الذي جاء في التعريف –بمفهوم هذا العصر- هي حالة معنوية مرتبطة بطبيعة القانون الأخلاقي تترجم بشكل مادي ناتجة لوجود حالة نفسية وهي الرضا والاختيار وهذا ما خرج به عدة منظرين فلسفيين منهم جوزايا رويس في كتابة فلسفة الولاء فبالتالي الاختيار أيضاً يُنتزع بالطرق التي ذكرناه سابقاً إذاً سنعود لنفس الفكرة الناقدة لذلك الرأي المحدد بوجود الرضا وقبول أوامر الحاكم إختياراً كمعيار لتحديد الدولة فحتى لو أسقطنا هذين الرأيين على قيام دولة عمان فستكون بالتأكيد عمان هي عبارة عن دول عدة كثيرة قبل تولي السلطان قابوس مقاليد الحكم إنصهرت في دولة واحدة في حقبة تاريخية معينة وهي بدايات تولي السلطان قابوس مقاليد الحكم في الفترة التي كانت تسمى بفترة "المصالحة" وإدانة كل من كان في عمان بالولاء سواء بالترهيب أو الترغيب للسلطان ولكن في الجهة المقابلة نستخلص أيضاً أن عمان حتى الآن هي ليست دولة بمعنى المفهوم الذي إنتقده الحياري من حيث لا يعلم والقائل بأن "الدولة هي تلك القائمة على نظام معين يستمد المتربع على هرمها سلطته بوصفه ممثلاً للسلطات العليا لا باعتباره امتيازاً شخصياً له" ذاهباً الحياري وآخرين إلى أن ذلك التعريف ينفي صفة الدولة على مجتمعات سياسية تاريخية ظهرت في الحضارات الأولى وهذا التسبيب صحيح ولكن ما أعتقده أن الحضارات الأولى لم تعرف شكل آخر للدولة غير القائم على معيار الولاء والمتكون من عنصري الرضا والإختيار إذاً فيمكن إسباغ صفة الدولة وفق معيار الولاء حتى على القبيلة ووصف شيخ القبيلة بالرئيس وهذا ما لا يقبله العقل والمنطق. وحتى لا ندع مجالاً للشك في كينونة الدولة بالتالي لا يمكننا وضع معايير نفسية تكون السلطة طرفاً في فرضها أحياناً كثيرة بل هي قائمة على الإختيار الحر إن كنا نرغب الخروج من هذا الوضع النفسي بدولة قائمة على المعنى الحديث بعيداً عن الأساليب المصلحية والترهيب والترغيب أو الخداع أو الجهل .
لو عدنا قليلاً بالتاريخ للوراء حتى -تُفهم الفكرة بشكل واضح- وتحديداً في اللحظة التي تولى فيها السلطان قابوس مقاليد الحكم فقد كانت عمان مقسمة بحسب قوى النفوذ القبلي أو الإيدلوجي باستثناء بعض المناطق البسيطة التي كانت خاضعة بشكل صوري أو واقعي متقطع لسلطة سلاطين آل سعيد إما عبر نفوذ بعض القبائل الخاضعة للسلطان أيضاً عبر الترهيب والترغيب أو عبر المناطق الجغرافية المعروفة آن ذاك كمسقط وصلالة ليحل فجر النهضة المباركة علينا وعليكم وتخضع بشكل متدرج القبائل العمانية والمناطق لسلطة السلطان إما طواعية أو عبر عملية فرض القوة أو من خلال المفاوضات التي دخلها السلطان مع القبائل العمانية وهذا ما تؤكده الوثائق البريطانية المنشورة عن تلك الحقبة وتوجيه وزارة الخارجية البريطانية للسلطان حيال ذلك الأمر وتأكيدها على أهمية إقامة علاقات قوية بينه وبين عدة مشائخ عمانية كان لها نفوذ أكبر من نفوذ السلطان آن ذاك وهنا مكمن الخطر.
قد يقول القارئ الكريم أن كلامي هنا مطعم بالكثير من الوردية وهذا الأمر صحيح وأعترف بذلك وحتى أبُعد ذلك التأطير الريديكالي المؤطرة والمتهمة بها تدويناتي سأقول لكم : هنا فقط تستطيعون أن تطلقون العنان لفكركم وتطلعاتكم المستقبلية دون أن أشرح لكم ماهية الخطر وأستطيع أيضاً أن أتسائل عن عمان المستقبل وواقع الدولة المدنية وتطلعاتها المتعطشة إلى قيام الدولة المدنية الحديثة والدولة المؤسساتية المحترمة للقوانين والأنظمة والإنسانية وحقوقها والإختيار الحر فالواقع مغاير تماماً أمام المستقبل القريب المجهول لعمان ولكم في دستورنا مرجع يا أولي الألباب لعلكم تستفيقون.
فهل يا ترى ينطق من في فمه ماء؟












شكرا على المدونة
شكراااااا على مدونتك الرائعة
شكرا جزيلا على هذة المقالة الجميلة
شكرا على مجهودك الرائع